أحمد بن محمد مسكويه الرازي
293
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
المصاب بما يعز عليه ، وتبين فقره إلى نظيره الذي لا يجده ، فيطلع الصديق والعدو على حزنه وكآبته . وحكي عن بعض الملوك انه أهدي اليه قبة بلور صافية عجيبة النقاء والصفاء محكمة الخرط ، قد استخرج منها أساطين وصور خاطر بها صانعها مرة بعد مرة في تلخيص النقوش والخروق والتجاويف « 1 » التي بين الصور والأوراق ، فلّما حصلت بين يديه كثر تعجبه منها وإعجابه بها ، وأمر فرفعت في خاص خزائنه ، فلم يأت عليها كثير زمان حتى أصابها ما يصيب أمثالها من المتالف ، وبلغ الملك ذلك فظهر عليه من الأسف والجزع ما منعه من التصرف في أموره والنظر في مهماته ، والجلوس لجنده وحاشيته واجتهد الناس في وجود شيء شبيه بها ، فتعذر عليهم فظهر أيضا من عجزه وامتناع مطلوبه عليه ما تضاعف به جزعه وحسرته . وأمّا أوساط الناس فإنهم متى ادخروا آلة كريمة أو جوهرا نفيسا ، أو إتّخذوا مركوبا فارها « 2 » أو ما أشبه هذه الأشياء التمسها منه من لا يمكنه رده عنها . فان حاجزه عنها وبخل عليه بها فقد عرض نفسه ونعمته للبوار ، « 3 » وان سمح بها لحقه من الغم والجزع ما كان مستغنيا عنه ، وأمّا الأحجار المتنافس فيها من اليواقيت وأشباهها مما تبعد عنها الآفات في أنفسها ، فليس تبعد عنها الآفات الخارجة عنها من السرقة ووجوه الحيل فيها ، وإذا إدّخرها الملك قلّ انتفاعه بها عند حاجته إليها ، وربّما عدم الانتفاع بها دفعة ، وذلك ان الملك إذ اضطر إليها لم تنفعه في عاجل أمره وحاضر ضرورته . وقد شاهدنا أعظم الملوك خطرا في عصرنا لما احتاج إليها بعد فناء أمواله
--> ( 1 ) . باطن الشيء ، داخل الشيء . ( 2 ) . الفاره : الحذق والحسن ، النشط . ( 3 ) . الهلاك - الضياع .